القاضي النعمان المغربي
270
تأويل الدعائم
خفافا وثقالا : شبابا وشيوخا ؛ فهذا في الظاهر هو الواجب المفترض على جميع المؤمنين ، فإن قام بعضهم بالجهاد سقط فرضه عن الباقين حتى يحتاج إليهم فيه ، وتأويل ذلك في الباطن أن على جميع المؤمنين أن يجاهدوا أنفسهم إذا دعتهم إلى معاصي اللّه جل وعز وامتنعت عليهم من القيام بطاعته وفرضه الّذي أوجبه عليهم وكل من دعاهم إلى معصية من معاصيه أو حال بينهم وبين طاعة من طاعته أو فرض من فروضه ، وهذه جملة جامعة من الجهاد في الباطن وسيأتي بيانها وتفسيرها فيما يأتي بعد هذا من أبوابه ووجوهه إن شاء اللّه وتأويل سقوط ذلك عمن استغنى عنه ؛ والمستغنى عنه في ذلك من لا ينازع فيه ، والشباب في الباطن المستفيدون والشيوخ المفيدون ، فذلك واجب على المفيدين والمستفيدين من المؤمنين إذا نوزعوا فيه ، ويتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه أنه سئل عن قول اللّه عز وجل : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » « 1 » هذا لكل من جاهد في سبيل اللّه فقال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد ( ص ) : إنه لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه ( صلع ) سأله بعض أصحابه عن هذا فلم يجبه فأنزل اللّه عز وجل : « التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » « 2 » فأبان عز وجل بهذه صفة المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم ، فمن أراد الجنة فليجاهد في سبيل اللّه على هذه الشرائط ، وإلا فهو في جملة من قال رسول اللّه ( ص ) : ينصر اللّه هذا الدين بقوم لا خلاق لهم » ، فهذا ظاهر من القول فيه دليل من التأويل الّذي قدمنا ذكره من جهاد الأنفس على القيام بطاعة اللّه جل وعز فمن قام بالجهاد ظاهرا أو باطنا على هذه الشرائط التي ذكرها اللّه عز وجل في كتابه وشرطها على المبايعين « 3 » من المؤمنين من عباده بأن يقيموا ظاهر ما تعبدهم اللّه به وباطنه كما قدمنا القول بذلك في سائر ما ذكرناه من إقامة الظاهر والباطن ، فمن أقام ذلك كان مقبولا
--> ( 1 ) سورة التوبة : 111 . ( 2 ) سورة التوبة : 112 . ( 3 ) المتبايعين ( في ى )